محمد غازي عرابي
1049
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
على مستوى المقولات الأساسية والمفاهيم الأزلية السابقة على الوجود المادي ، أو على مستوى المعقولات المستخلصة من التجارب الحسية والنظرية ذاتها ، ومن هذه الرؤية وضع هيغل كتابه تاريخ الفلسفة قائلا إن هذا التاريخ تاريخ ظهور الروح وتطوره ، وإن الفلسفة ، وإن كانت مجموعة فلسفات ، وناقض بعضها بعضا ، فإن النتيجة بناء صرح وجودي كامل ، شاركت في رفع قواعده الفلسفات المتناقضة ذاتها ، وهذه النتيجة هي التي ضرب لها مثل في الآية الرابعة والعشرين حيث قال سبحانه وله الجوار المنشآت في البحر ، أي السفن الضخمة العائمة كجبال الجليد في بحر الوجود . والصوفي المحقق وحده هو الذي تكشف له هذه الصورة الوجودية الحقيقية الجامعة للحق والخلق ، الباطن والظاهر ، الثابت والمتحول ، الخالد والفاني ، اللانهائي والنهائي ، ومع الصوفيين العارفين تقف الفلاسفة الموحدون ، ومنهم حكماء الهنود القدامى ، ثم فلاسفة اليونان كفيثاغورس وأفلاطون ، ثم مذهب أخناتون الموحد في مصر ، ثم الفلاسفة المسلمون أمثال الفارابي وابن سينا ، ثم فلسفات الواحدية الحديثة وأهمها الفلسفة الألمانية التي أتينا على ذكرها مرارا في كتبنا ، ويعد شيلنغ الألماني ، ثالث ثلاثة من الفلاسفة الموحدين الألمان ، مثلا لفيلسوف بدأ من الفكر ، وانتهى إلى صوفية صبغت مذهبه كله بمذهب التوحيد الخالص . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 26 إلى 28 ] كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 28 ) [ الرحمن : 26 ، 28 ] الوجه الحقيقة باعتبار الوجه الشيء الظاهر ، والحقيقة أن لا موجود حقا إلا اللّه ، ذلك لأن العالم الحسي هو محيط الدائرة الإلهية وليس له قيام بذاته بل باللّه ، ويتبعه الأسماء المعقولات التي لا وجود لها من دون الحق ، فهي الأشعة المشعة عن شمس الذات . ولكل عيان عين وعين الإنسان عين إلهية هي الأصل وهو الفرع ، وكنّا بيّنا كيف أن الإنسان جسر بين المعقول والمحسوس ، وعلى هذا فكل شيء فان ، أي هو الآن فان ، وليس ثمت من وجود غير فان إلا الوجود الإلهي . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 29 إلى 30 ] يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 30 ) [ الرحمن : 29 ، 30 ] قالت الصوفية : القضاء تدبير علوي ، والقدر تدبير ذاتي إنساني ، ونضيف قائلين إنه خاضع للخواطر ، متغير كل ساعة بل ولحظة ، ولما كان الإنسان صورة الرحمن ، وقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ، وكان اللّه هو الدهر كما ورد في الحديث ، كان القدر ، ذلك التدبير الإنساني هو مجال فعل اللّه نفسه .